الشريف الرضي
98
المجازات النبوية
ملأى سحاء ، لا يغيضها الليل والنهار " وهذه استعارة ، لان المراد باليمين هاهنا نعمة الله ، ووصفها بالامتلاء لكثرة منافعها وعموم مراقدها ، فجعلها كالعين الثرة ( 1 ) التي لا يغيضها ( 2 ) الموائح ، ولا تنقصها النوازح ( 3 ) . والسح : شدة المطر ، يقال : سحت السماء سحا إذا جادت جودا ، وخص اليمين لأنها في الأكثر مظنة العطاء ومواصلة الحباء ( 4 ) ، على طريق المجاز والاتساع . وقد شرحنا هذا المعنى في عدة مواضع من كتبنا المشتملة على علوم القرآن ( 5 ) . 66 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " ابنوا المساجد واتخذوها جما " ، وهذه استعارة لان المراد ابنوها ولا تتخذوا لها شرفا فشبهها عليه الصلاة والسلام بالكباش الجم ، وهي التي قرونها
--> ( 1 ) الترة : كثرة الماء . ( 2 ) يقال غاض الماء يغيضه وأغاضه يغيضه : إذا نقصه . والمعنى لا ينقص ماءها ، والموائح جمع مائحة : وهي الآلات التي تخرج الماء من العيون والآبار . ( 3 ) النوازح جمع نازحة : هي مثل الموائح . ( 4 ) الحباء : العطاء . ( 5 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث كناية عن غنى الله وكرمه . لأنه إذا كانت يمينه مليئة بالخير ، تسح سحا به ، ولا ينقصها هذا السح ما تعاقب الليل والنهار ، فلا شك أنه غنى كريم ، واستعمال اليمين لا مانع أن يكون على الحقيقة ، فيكون لله تعالى يمينا لا نعرف كنهها ، كما قال تعالى : " يد الله فوق أيديهم " فله يد وليست كأيدي الحوادث ، وهذا أولى من جعل اليمين بمعنى النعمة ، فإن تشبيه النعمة باليمين غير ظاهر ، وحمل الحديث على الكناية يناسبه قول الشريف بعد ذلك ، " وخص اليمين لأنها في الأكثر مظنة العطاء " فمراده يد الله مطلقا ، وخصت اليمين لأنها التي يعطى بها ، ويجوز أن يكون في الحديث مجاز مرسل علاقته السببية فأطلق اليمين وأراد العطاء لان اليد سببه .